الممثل والنسيج السينوغرافي

chadia

شاركت النقيبة شادية زيتون دوغان في مهرجان مسرح الحر الدولي في الأردن بورقة بحث تحمل عنوان الممثل والنسيج السينوغرافي .

الممثل والنسيج السينوغرافي

إن التحولات التي عرفها المسرح في علاقته مع السينوغرافيا منذ المسرح الإغريقي ولغاية اليوم ، أدت الى    تبلور الآراء حولها عند نهاية القرن التاسع عشر، وأخذت حيزاً مهماً في منتصف القرن العشرين ، نظراً لأهميتها وانعكاسها في الفعل والحدث وفي توليدها الخصائص الحسية والرمزية ، بلغة متماسكة فنياً وفكرياً في فضاء العرض المسرحي ومساحته ، إضافة لكونها باتت تشكل ركيزة أساسية في قراءة المخرج وفي تفعيل عامل الخيال لدى الممثل والمتلقي معاً .

    يقول أرسطو : ” إن التفكيرمستحيل من دون صور، وأن الروح لا تفكر من دون صور، والصور مرتبطة   بكل جوانب الحياة “.

    على مر التاريخ ، يختزن المسرح الخيال الخصب والتفكير الإستعاري والبصري ، وإذا استعرضنا العروض  المسرحية ، نرى فيها الكثير من الجوانب المشتركة ، العائدة الى تكوين وتجديد الصور الخيالية ، حول  حدث ما ، أو شخصية معينة ، ما يعني أن المسرحيين تنبهوا الى أن الإبتكار في الإطار المادي للعرض  المسرحي ، يتطلب مهارة في التصور البصري الذي يعتمد بدرجة عالية ، على حاسة الإبصار وعملية  التخيل ، وإدراك المساحة ، وخلق التوازن والإنسجام في تعادل الصورة المسرحية .

    من المسلم به أن القدرة الخلاقة الكامنة داخل الممثل تعد المرتكز الأساسي لتحقيق الوظائف الجمالية  الدرامية لجسده في الفضاء الدرامي ، ولكن بقي العجز قائماً حول أدائه وإمكانية تحويل جسده لغة تعبيرية  تتيح له فرصة التواصل مع جمهور العرض ،بعيداً عما يحفز خياله ويفعل حواسه البصرية والسمعية   والحسية والحركية ، ما لم يتم الإدراك بأن أداء الممثل لا يمكن أن يجسد هذه اللغة كما ينبغي ، سوى  ضمن  فضاء سينوغرافي يحدد باسلوب حسي تشكيلي الخط الرمزي بين الحقيقة والخيال ، وبين المرئي   واللامرئي ، في صورة مرئية تحققها السينوغرافيا من مختلف عناصرها لتمكن الممثل من أن يسافر عبرها  بواسطة الجماليات الحسية ، التي يجنيها من الأصوات والألوان ، وبواسطة الجماليات الرمزية التي يجنيها

من المعاني الموجودة في بيئة الفضاء المسرحي ، وبواسطة الجماليات التشكيلية أيضاً التي يجنيها من الخط والشكل واللون والكتلة والفراغ

    في المسرح ، كل شيء يؤثر في كل شيء ، فكلما كانت حركة الممثل مرتبطة بما هو مقرر على فضاء الخشبة ، يأتي الإطار الأكبر للعرض متضمناً إيقاعاً ذات طابع موسيقي مدروس. يقول (باتريس بافي)      

 ”  مصمم السينوغرافيا يتصرف بمساحات الأداء والأشياء ، وخطط التطور تبعاً للفعل الذي سيؤدى ، ولا يتوانى عن تغيير هذه الهيكلية للعرض خلال العرض ، فالمسرح هو آلة للعب أقرب من ألعاب الأطفال التربوية البنائية، منه الى جدرانية للتزيين ، فالجهاز المسرحي يصور العلاقات بين الشخصيات ويسهل التطورات الحركية للممثلين “. (معجم المسرح – ترجمة ف. خطار- ص   183)

إنطلاقاً من أن  السينوغرافيا هي فن الإبتكار والتنظيم وزرع عالم يرتبط بالحلم ، وقيمتها تكمن في سياقها الدرامي والحركي والوجداني والوظيفي ، ومضمونها يتلخص بمنجز فني في إطار لعبة تبادل وتطابق بين مساحة النص والحيز المسرحي ، لصوغ رؤية بصرية درامية وفق ما يقتضيه ويتطلبه العرض رؤيةً تسهم في منح الممثل قدرة نفسية عالية ، وخيال واسع وطاقة غير محدودة ، يتوجب على السينوغرافي عازف الإيقاع البصري أن يعمل وفقاً لمبدأ الوحدة في التنوع عبر مختلف عناصر السينوغرافيا التالية :

 1-  ديكور يحتدم داخله الزمن والوجود والعدم والتأويل ، يتلخص في ترتيبه التشكيلي  ما بين فكرة النص وفكرة العرض ، وفي تحريره من ثبوتيته بإكسابه خاصية البعد الزمني ، وتوفيره مساحات تشكيلية تسهم في تحديد العلاقة الروحية والجسدية للممثل.

2- أضاءة تتضمن لغة وقيمة لونية لها دلالاتها التعبيرية في الفضاء المسرحي، وفعلها   الدرامي في حركتها مع لغة الجسد ، وخصائصها في المناخ المشهدي من خلال تحديد    المكان ، وفي تركيز نظر المتلقي على الحدث والشخصية المعنية .

 3-  الأزياء التي تعد من بين اكتر التقنيات خصوصية ، لكونها تلعب دوراً درامياً في    مكان الحدث وطبيعة العرض ، وفي تصميمها المتلائم مع الزمان والمكان ، وبما  يخدم شخصية ونفسية الممثل إضافة الى تجانس الوانها

يقول (باتريس بافي( ” العلامة المحسوسة للزي هي اندماجه في العرض وقدرته على العمل كديكور متجول ، مرتبط بالحياة وبالعبارة “(معجم المسرح – ترجمة ف. خطار- ص 150).

 4-  الماكياج الذي تكمن أهميته في ترسيخ وتأطير القناع الدرامي للممثل ، ومساعدته على تقمص ومعايشة الشخصية الدرامية ، وفي التمييز بين شخصية وأخرى .

5-  الموسيقى هي العنصر المهم والمنظومة الكاملة من المشاعر والأحاسيس ، التي تساهم في إثراء قدرة الممثل على التعبير، وعلى تنمية حواسه وخياله ، وتحديداً حين تأتي من صلب طبيعة العرض ، واحتياجه لدورها كعنصر درامي له دوره في تشكيل المعنى،  يقول (باتريس بافي) : ” إن عرضاً منظماً بطريقة موسيقية ليس عرضاً نلعب فيه على آلات موسيقية أو نغني لخلق خشبة ، إنه عرض مع تقسيمات إيقاعية محددة   ودقيقة ، عرض حيث الوقت يكون منظماً بصرامة ” Meyer hold ,1992 , 4 : 325 . ( معجم المسرح ص 355-356 ).

وفي هذا السياق  يرى (آدولف آبيا ) في الموسيقى الفن المثالي الذي تطمح الى مكانته كل الفنون، لذلك هي كفيلة بتنظيم عناصر العرض المشهدي بوحدة منسجمة متكاملة ، وبدونها لايتحقق هذا الإنسجام )كتاب الموسيقى التعبيرية  د. علي عبد الله ص 37 ).

 وعن أهمية الموسيقى وتأثيرها على الممثل ، يقول (غوردون كريغ  ( Gordon craig –لكي يثير الممثل الإنتباه إليه ، يطالبه بأن يكون صوته مرناً ناصعاً ومجلجلاً ، وهذا لا يأتي إلا من خلال اعتماد الموسيقى تمريناً للصوت ، والبحث عن الطبقة المناسبة للدور بعد مواءمة كل طبقة صوتية مع آلة موسيقية معينة ، باعتبار ان الآلات الموسيقية تقابل كل منها صوتاً إنسانياً( كتاب الموسيقى التعبيرية د. علي عبد الله ص – 42 – 43 ).

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *